ابن قيم الجوزية
595
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وتفسير الآية ، عند جماعة المفسرين : أنك لا تقل لشيء أفعل كذا وكذا حتى تقول : إن شاء اللّه . فإذا نسيت أن تقولها ، فقلها متى ذكرتها . وهذا هو الاستثناء المتراخي ، الذي جوزه ابن عباس . وتأول عليه الآية ، وهو الصواب . فغلط عليه من لم يفهم كلامه . ونقل عنه « أن الرجل إذا قال لامرأته : أنت طالق ثلاثا ، أو قال : نسائي الأربع طوالق ، ثم بعد سنة يقول : إلا واحدة ، أو إلا زينب - إن هذا الاستثناء ينفعه » وقد صان اللّه عن هذا من هو دون غلمان ابن عباس بكثير ، فضلا عن البحر حبر الأمة وعالمها ، الذي فقهه اللّه في الدين . وعلمه التأويل . وما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة . ولو ذهبنا نذكر ذلك لطال جدا . وإن ساعد اللّه أفردنا له كتابا . والذي أجمع عليه المفسرون : أن أهل مكة سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الروح . وعن أصحاب الكهف . وعن ذي القرنين . فقال : « أخبركم غدا » ولم يقل : « إن شاء اللّه » فتلبّث الوحي أياما . ثم نزلت هذه الآية ، قال ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن وغيرهم : معناه إذا نسيت الاستثناء . ثم ذكرت فاستثن . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ويجوز الاستثناء إلى سنة . وقال عكرمة رحمه اللّه : واذكر ربك إذا غضبت . وقال الضحاك والسدي : هذا في الصلاة . أي إذا نسيت الصلاة فصلّها متى ذكرتها . وأما كلام صاحب المنازل : فيحمل على الإشارة . لا على التفسير . فذكر أربع مراتب : إحداها : أن ينسى غير اللّه ، ولا ينسى نفسه . لأنه ناس لغيره . ولا يكون ناسيا إلا ونفسه باقية ، يعلم أنه ناس بها لما سوى المذكور . الثانية : نسيان نفسه في ذكره . وهي التي عبر عنها بقوله : « ونسيت نفسك في ذكرك » . وفي هذه المرتبة : ذكره معه لم ينسه . فقال في المرتبة الثالثة : « ثم نسيت ذكرك في ذكره » وهي مرتبة الفناء . ثم قال في المرتبة الرابعة : « ثم نسيت في ذكر الحق إياك كل ذكر » . وهذا الفناء بذكر الحق عبده عن ذكر العبد ربه . فأما المرتبة الأولى : فهي أول درجات الذكر . وهي أن تنسى غير المذكور . ولا تنسى نفسك في الذكر . وفي هذه المرتبة : لم يذكره بتمام الذكر . إذ لتمامه مرتبتان فوقه : إحداهما : نسيان نفسه . وهي المرتبة الثانية ، فيغيب بذكره عن نفسه . فيعدم إدراكها بوجدان المذكور . الثانية : نسيان ذكره في ذكره ، كما سئل ذو النون عن الذكر ؟ فقال : غيبة الذاكر عن الذكر . ثم أنشد : لا لأني أنساك أكثر ذكراك * ولكن بذاك يجري لساني